التعاون المصري الصيني فرصة لتعزيز الأمن الغذائي في إفريقيا والعالم العربي

تاتي مصر في مقدمة الدول التي تسعى الصين لتعزيز العلاقات الاقتصادية والاستراتيجية في الجانبين الاقتصادي والتكنولوجي، وتتمتع كلا من مصر والصين بجذور تاريخية عميقة، تمتد لآلاف السنين وهو ما خلق مجموعة من القيم والمبادئ المشتركة التي أسهمت في تعزيز الثقة والاحترام المتبادل بين الشعبين والدولتين، وقد أعطت الشراكة الاستراتيجية بين الدولتين والعلاقات الثنائية دفعة قوية منذ بدايتها، والجدير بالذكر أن هذه الطفرة في العلاقات المصرية الصينية تستند إلى الرغبة المشتركة والإرادة السياسية للدولتين، لتدعيم أواصر التعاون والتنمية والسلام، والمتتبع للعلاقات الاقتصادية المصرية الصينية يجد أنها تسير منذ سنوات طويلة عبر عدة جوانب من خلال الاتفاقيات الاستراتيجية التي تمت مؤخرًا.
ويشهد التعاون الزراعي بين مصر والصين طفرة استراتيجية غير مسبوقة كما يمثل "خطوة استراتيجية" لدعم جهود الدولة المصرية في تحقيق الأمن الغذائي المستدام الذي يرتكز على دمج التقنيات الذكية ومواجهة التغيرات المناخية، لا سيما مع تنامي الشراكة الاقتصادية وتوقيع اتفاقيات محورية لفتح الأسواق وتبادل الخبرات البحثية بين البلدين، وهذه الزيارة تفتح الباب أمام توسيع مجالات التعاون المصري–الصيني مستقبلًا، من خلال الانتقال من الزيارات وتبادل الخبرات إلى مشروعات بحثية وتطبيقية مشتركة في مجالات الزراعة الذكية، والابتكار، وسلامة الغذاء، وتحليل الملوثات، بما يعزز الاستفادة من الخبرات العلمية والتكنولوجية لدى الجانبين.
محاور هذا التعاون وآفاقه المستقبلية:
1- الإطار الاستراتيجي والاتفاقيات المشتركة
• تجديد خطط العمل التنفيذية حيث تعمل وزارة الزراعة المصرية على تجديد خطة العمل التنفيذية للتعاون الزراعي المشترك (الموقعة في الأصل عام 2023) لترقيتها إلى مستوى استراتيجي يخدم مصر والمنطقة العربية وإفريقيا.
• مذكرات التفاهم العلمي تم توقيع نحو 4 مذكرات تفاهم علمية وبحثية تركز على تقنيات الزراعة الحديثة، الأمن الغذائي، وتحسين إدارة الموارد الطبيعية.
• الإعفاءات الجمركية استفادت مصر من مبادرة الصين لمنح إعفاءات جمركية كاملة لـ 53 دولة إفريقية (بدأت في مايو 2026)، مما يسهم في تسهيل تدفق المنتجات الزراعية المصرية للأسواق الصينية.
2- التعاون التقني والبحث العلمي الزراعي
• مواجهة التغيرات المناخية حيث يجري تعاون مكثف بين مركز البحوث الزراعية المصري والمعاهد الصينية (مثل معهد شمال شرق الصين للجغرافيا والبيئة الزراعية) لتطوير أصناف محاصيل استراتيجية (أرز هجين، فول صويا، ذرة) مقاومة للجفاف والملوحة.
• الزراعة الذكية وترشيد المياه حيث يتم دمج تقنيات نظم المعلومات للتحكم في الري الذكي، قياس الرطوبة، ومواجهة مشكلات ندرة المياه عبر استصلاح الأراضي الصحراوية.
• سلامة الغذاء ومكافحة الملوثات حيث يستقبل المعمل المركزي لتحليل متبقيات المبيدات والعناصر الثقيلة في الأغذية وفودًا صينية بانتظام لتطوير تقنيات الكشف عن ملوثات الأغذية وتبادل معايير السلامة الحيوية
• المركز البحثي الإفريقي بمصر حيث وقع مركز بحوث الصحراء المصري بروتوكولاً مع الأكاديمية الصينية للعلوم لإطلاق مكتب إقليمي لـ المركز الصيني-الإفريقي المشترك للأبحاث (SAJOREC) بالقاهرة ليكون بوابة لنقل تكنولوجيا الاستدامة إلى القارة السمراء
3- تعزيز الأمن الغذائي وسلاسل الإمداد
• تخزين الحبوب الذكي وقد نجحت الشركات الصينية في تنفيذ مشروع صوامع تخزين الحبوب المستدامة لصالح مشروعات كبري، مما يعتمد تكنولوجيا متطورة لتقليل الفاقد وتأمين الاحتياطي الاستراتيجي
• توطين تصنيع مستلزمات الإنتاج والمبيدات حيث عقدت وزارة الزراعة المصرية مباحثات رفيعة المستوى مع هيئة "إيكاما" الصينية لتوطين صناعة آلات الزراعة المتطورة والمبيدات عالية الجودة محليًا لخفض الفاتورة الاستيرادية
• مشاريع الثروة الحيوانية والداجنة تشارك الكيانات الصينية في دعم مشروعات تربية الدواجن وإنتاج الأعلاف، فضلاً عن برامج تدريبية لتمكين المرأة الريفية اقتصادياً عبر تزويدها بخبرات الرعاية والإنتاج الداجني المستدام
4- التبادل التجاري والصادرات الزراعية
• فتح الأسواق الصينية بعد نجاح تصدير الرمان والبلح والفراولة المجمدة، جرى الاتفاق مؤخراً على تذليل العقبات لفتح السوق الصينية أمام منتجات مصرية جديدة أبرزها المانجو.
• عقود تصديرية ضخمة وقعت الشركات المصرية عقوداً تصديرية في أغسطس 2026 مع مشترين صينيين بلغت قيمتها نحو 168 مليون دولار، شملت منتجات زراعية وغذائية
5- الآفاق التنموية المستقبلية
مع الزيارات الرفيعة المتبادلة بين قادة البلدين، يُتوقع أن تشهد الفترة المقبلة توسعاً في:
1. التحالفات الزراعية الكبرى التي تستهدف استصلاح الأراضي الصحراوية الشاسعة بمصر.
2. برامج لتكثيف إيفاد الباحثين والمزارعين المصريين إلى الصين للاطلاع على نظم الإدارة الزراعية الذكية.
3. تجديد خطة العمل التنفيذية للتعاون الزراعي الموقعة عام 2023 وتعزيز تبادل الخبرات بين الجانبين وتشمل :
• مجالات التكنولوجيا الزراعية والزراعة الذكية.
• تقنيات المعلومات للتحكم في الري والرطوبة ودرجات الحرارة
• تطوير نظم الري الحقلية لترشيد استهلاك المياه.
• وتطوير برامج التنبؤ الزراعي في مواجهة تغير المناخ.
• الابتكار وسلامة الغذاء وتحليل الملوثات.
• مجالات العلوم البيئية وكيمياء الملوثات ومعالجة المياه، وتطوير تقنيات التحليل والمعالجة.
• مجال بحوث التربة والمياه والاستشعار عن بعد.
• دمج التقنيات الذكية الحديثة في مجالات استصلاح الأراضي
• انتاج وتطوير أصناف المحاصيل الاستراتيجية عالية الإنتاجية تتحمل الإجهادات البيئية.
• مجالات إدارة وتسجيل ومراقبة مبيدات الآفات الزراعية.
• بناء قاعدة صناعية وطنية لإنتاج مبيدات عالية الجودة وفق المعايير الدولية.
• التكنولوجيا الزراعية الحديثة وتوطين صناعة مستلزمات الإنتاج والآلات الزراعية المتطورة.
• الاستثمار في الكوادر البشرية وعمل برامج تدريبية متخصصة ونقل المعارف الحديثة للارتقاء بمنظومة الزراعة الحديثة وفق أحدث الممارسات العالمية.
• التصنيع المرتبط بالأنشطة الزراعية، وسلاسل الإمداد والتصدير.
بعض الاتفاقيات ومذكرات التفاهم الأخيرة الموقعة بين مصر والصين لخدمة الأمن الغذائي الإقليمي:
1- بروتوكولات فتح الأسواق ونفاذ الحاصلات الزراعية
• جرى توقيع اتفاقيات حجرية فنية مع الإدارة العامة للجمارك الصينية (GACC) لاعتماد منظومة التكويد المصرية، مما سمح ببدء التصدير الفعلي لثمار المانجو والرمان الطازج بعد استيفاء الاشتراطات.
• توقيع مذكرة تفاهم لتسهيل وتيسير إجراءات تصدير التمور المصرية النصف جافة تلبيةً للطلب المتزايد عليها في السوق الآسيوي.
2- مذكرات تفاهم لتوطين التكنولوجيا والزراعة الذكية
• توقيع بروتوكول تعاون علمي بين مركز البحوث الزراعية المصري والأكاديمية الصينية للعلوم الزراعية، يركز على إنشاء مختبرات مشتركة لإنتاج تقاوي وهجن خضروات ومحاصيل حقلية مقاومة للإجهاد البيئي (الجفاف والملوحة).
• توقيع بروتوكول مع الأكاديمية الصينية للعلوم الزراعية الاستوائية، يهدف لتدريب الباحثين المصريين على استخدام الذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية لتقييم مخاطر الآفات والتنبؤ المناخي.
3- اتفاقيات توطين مستلزمات الإنتاج وصناعة المبيدات
• توقيع اتفاقية تعاون مع معهد إيكاما لتبادل الخبرات والتشريعات الخاصة بإدارة ومراقبة مبيدات الآفات الزراعية، وتمهيد الطريق لشراكات استثمارية صناعية تهدف لبناء قاعدة إنتاج محلي للمبيدات والأسمدة الحيوية الصديقة للبيئة في مصر.
4- مذكرات تعاون في فحص سلامة الغذاء ومتبقيات المبيدات
• توقيع المعمل المركزي لتحليل متبقيات المبيدات والعناصر الثقيلة في الأغذية (QCAP) لمذكرة تفاهم مع أكاديمية هوبي للعلوم الزراعية الصينية، لتبادل التكنولوجيات الحديثة وطرق الفحص المبتكرة لضمان سلامة الغذاء المتداول بين البلدين والموجه للتصدير الإقليمي.
من أبرز الهئيات الصينية في مجالات التعاون الزراعي:
تتمثل أبرز الهيئات والمؤسسات الصينية التي تقود مجالات التعاون الزراعي والبحثي والتكنولوجي مع مصر في الكيانات الحكومية والبحثية والصناعية التالية:
1. الهيئات والمؤسسات الحكومية والرقابية
• هيئة "إيكاما" الصينية (ICAMA) وهي المعهد الصيني لمراقبة وقاية النباتات والتحكم في مبيدات الآفات. تقود الهيئة حالياً جهوداً مشتركة مع وزارة الزراعة المصرية لتطوير منظومة تسجيل وتصنيع المبيدات الآمنة ونقل تكنولوجيا إنتاجها محلياً.
• وزارة الزراعة والشؤون الريفية الصينية تتولى التنسيق الحكومي المباشر ورسم الخطط التنفيذية للتعاون الزراعي المشترك، والتي تشمل مكافحة التصحر والزراعة العضوية وتبادل الخبرات عبر اللجان الفنية المشتركة.
2. الأكاديميات والمعاهد البحثية والعلمية
• الأكاديمية الصينية للعلوم (CAS) تشارك عبر هيئاتها التابعة مثل حديقة ووهان النباتية ومركز البحوث المشترك الصيني الإفريقي (SAJOREC). وقد تم توقيع بروتوكول تعاون لإنشاء مكتب إقليمي لمركز (SAJOREC) في مقر مركز بحوث الصحراء بالقاهرة ليكون بوابة للتعاون الزراعي المستدام في شمال إفريقيا.
• الأكاديمية الصينية للعلوم الزراعية (CAAS) تتعاون مع الهيئة القومية للاستشعار من بُعد وعلوم الفضاء بمصر لتأسيس المختبر المشترك للزراعة الذكية، والذي يركز على استخدام تطبيقات الفضاء لمواجهة تغير المناخ، وإدارة الموارد المائية، وزراعة المحاصيل المتحملة للملوحة.
• أكاديمية هوبي للعلوم والمعلومات التكنولوجية (Hubei Academy) التي تتبادل الخبرات والزيارات العلمية مع المراكز البحثية المصرية مثل المعمل المركزي لتحليل متبقيات المبيدات، لدعم سلامة الغذاء والرقابة على الملوثات الزراعية.
• جامعة نانجينغ للعلوم البيئية وكيمياء الملوثات ومعالجة المياه.
• مركز أبحاث الزراعة البيئية والجغرافيه بشمال شرق الصين التابع لأكاديمية البحوث العلمية يركز على تطوير المحاصيل الاستراتيجية المقاومة للجفاف، حيث يجرى مع مركز البحوث الزراعية المصري دراسات مشتركة على الأرز الهجين، والذرة، وفول الصويا.
3. الشركات الصناعية والتكنولوجية الكبرى
• شركة "فامسون" الصينية (FAMSUN) تعد من أبرز الشركات التكنولوجية العملاقة العاملة في مصر حالياً في مجال الهندسة الزراعية؛ حيث ضخت استثمارات بقيمة 100 مليون دولار لإنشاء مصنع للمعدات والآلات الزراعية وصوامع الأعلاف، فضلاً عن شراكتها مع جهاز "مستقبل مصر" لبناء مجمع صوامع ضخم لتخزين الحبوب بسعة 500 ألف طن.
• شركة "تيدا" الصينية (TEDA) تلعب دوراً لوجستياً وصناعياً محورياً من خلال منطقتها الاقتصادية في قناة السويس، حيث تستقطب الشركات الصينية المتخصصة في التصنيع الغذائي، سلاسل التوريد الزراعية، والتعبئة والتغليف لفتح أسواق تصديرية جديدة.
• شركة تشاينا ريل واي (China Railway) إحدى الشركات الكبرى التي تبحث تنفيذ مشروعات استثمارية زراعية كبرى في مصر، مثل إنتاج تقاوي المحاصيل الإستراتيجية كالقمح والبطاطس وفول الصويا

