الدكتور سعيد عزت خطاب.. من عامل خدمة معاونة إلى دكتور اقتصاد وعميد يقود 7 آلاف طالب برسالة علمية وإنسانية

في الوقت الذي يختصر فيه البعض مفهوم النجاح في الوصول السريع إلى المناصب أو الحصول على الشهادات، تأتي بعض التجارب الإنسانية لتؤكد أن النجاح الحقيقي ليس لحظة يصل إليها الإنسان، وإنما رحلة طويلة من الصبر والعمل والإصرار، وأن أصعب الظروف يمكن أن تتحول، مع الإرادة والدعم والإيمان بالقدرة على تحقيق الهدف، إلى نقطة انطلاق نحو مستقبل مختلف تمامًا.
ومن بين هذه التجارب تبرز مسيرة الدكتور سعيد عزت خطاب، الذي استطاع أن يحول مسار حياته بصورة تدريجية من بداية متواضعة للغاية، حين التحق عام 1990 بوزارة التعليم العالي في وظيفة عامل خدمة معاونة، إلى موظف، ثم طالب جامعي، ثم دارس للدراسات العليا، وصولًا إلى الحصول على الدكتوراه في الاقتصاد بمرتبة الشرف الأولى، مع استمرار طموحه العلمي وسعيه نحو استكمال مسيرته الأكاديمية.
لكن قصة الدكتور سعيد لا تتوقف عند حدود النجاح الشخصي أو الحصول على الدرجات العلمية، فقد تحولت تجربته مع مرور السنوات إلى رسالة تعليمية وإنسانية يحملها إلى الطلاب الذين يتولى مسؤوليتهم، حيث أصبح عميدًا ومسؤولًا عن نحو 7 آلاف طالب، وهو ما جعل تجربته الشخصية في الكفاح والتعليم مصدرًا لإلهام وتحفيز أجيال جديدة من الطلاب.
ولا تكمن أهمية هذه التجربة في الشهادة التي وصل إليها صاحبها فقط، وإنما في الطريق الطويل الذي قطعه للوصول إليها، وما حمله هذا الطريق من مسؤوليات أسرية ومهنية ودراسية، إلى جانب مجموعة من الأشخاص الذين كان لهم دور في دعمه وتشجيعه في مراحل مختلفة من حياته.
بداية متواضعة.. وطموح أكبر من الظروف بدأ الدكتور سعيد عزت خطاب حياته العملية عام 1990 داخل وزارة التعليم العالي بوظيفة عامل خدمة معاونة، في وقت لم يكن يحمل فيه مؤهلًا دراسيًا كبيرًا، وكانت هذه البداية بالنسبة إليه جزءًا أصيلًا من مسيرته التي لا يخجل منها، بل ينظر إليها باعتزاز باعتبارها المرحلة التي تعلم فيها معنى العمل وتحمل المسؤولية والاعتماد على النفس.
وخلال تلك الفترة، لعب عدد من زملائه وأساتذته دورًا مهمًا في تغيير نظرته إلى مستقبله، وكان من أبرز المواقف التي تركت أثرًا عميقًا في حياته موقف جمعه بالأستاذ الراحل عبد السميع قنديل، الذي شجعه على استكمال تعليمه بعدما لمس لديه رغبة حقيقية في تغيير واقعه.
كانت تلك اللحظة بمثابة بداية التحول؛ فانتقل من العمل إلى استكمال تعليمه من خلال المدارس الليلية، بينما ظل محافظًا على عمله خلال النهار، ليبدأ مرحلة جديدة من حياته تجمع بين الوظيفة والدراسة.
وبعد حصوله على الثانوية، تغير وضعه الوظيفي من عامل إلى موظف، وهو تحول كان يمثل في ذلك الوقت خطوة مهمة بالنسبة إليه، لكنه لم يعتبرها نهاية الطريق، وإنما بداية لطموح أكبر.
الأسرة.. شريك أساسي في صناعة الحلم لم تكن رحلة الدراسة سهلة، خصوصًا أن الدكتور سعيد لم يكن يخوضها منفردًا، فقد كان متزوجًا ولديه مسؤوليات أسرية وأبناء، ومع ذلك قرر أن يستمر في التعليم الجامعي.
وكان لزوجته، التي يشير إليها باسم أم محمد، دور بارز في مساندته خلال تلك المرحلة، خاصة في ظل الظروف المالية الصعبة التي صاحبت سنوات الدراسة.
ومع محدودية الإمكانات، أصبح التفوق الدراسي بالنسبة إليه وسيلة لتخفيف أعباء المصروفات، فكان يسعى للحصول على تقديرات مرتفعة تمكنه من الاستفادة من الإعفاءات والتخفيضات المرتبطة بالتفوق.
وخلال سنوات الجامعة، كانت حياته تجمع بين العمل والدراسة والأسرة، حتى أصبح أبًا لأبناء يحتاجون إلى الرعاية والاهتمام، الأمر الذي جعل رحلة التعليم بالنسبة إليه تحديًا حقيقيًا، وليس مجرد رغبة في الحصول على مؤهل.
وكانت الأسرة بالنسبة إليه أحد أهم مصادر القوة والاستمرار، فبدلًا من أن تتحول مسؤوليات البيت والأبناء إلى سبب للتوقف، أصبحت جزءًا من الدافع الذي جعله يتمسك بحلمه ويواصل طريقه.
كلمة صنعت حلمًا جديدًا
ومن المحطات المؤثرة في مسيرته، موقف جمعه بأحد أساتذته خلال السنة الأخيرة من مرحلة البكالوريوس، عندما قال له الأستاذ سعيد ضوء عبارة ظلت عالقة في ذهنه: "سعيد.. أنت هتبقى دكتور."
ورغم بساطة الكلمات، فإنها تحولت بالنسبة إليه إلى هدف واضح، ورسخت داخله فكرة أن استكمال الدراسات العليا ليس حلمًا بعيدًا، وإنما هدف يمكن الوصول إليه بالعمل والإصرار.
ولهذا السبب، يحرص الدكتور سعيد اليوم، أثناء تعامله مع طلابه، على مخاطبة الطلاب والطالبات بألقاب "دكتور" و"دكتورة"، إيمانًا منه بأن الكلمة المشجعة قد تترك أثرًا طويلًا في نفس الطالب، وربما تكون سببًا في أن يضع لنفسه هدفًا علميًا يسعى إلى تحقيقه.
من البكالوريوس إلى الدراسات العليا بعد حصوله على البكالوريوس، لم يتوقف الطموح عند الحصول على المؤهل الجامعي، فالتحق بكلية الدراسات التربوية بجامعة القاهرة، وحصل على دبلومين في الدراسات التربوية بتقديرات مرتفعة، قبل أن يتجه بصورة أكبر إلى مجال الاقتصاد، الذي أصبح لاحقًا تخصصه الأكاديمي.
ثم واصل دراسته في مجال الدراسات الاقتصادية، والتحق بالتمهيدي للماجستير، في رحلة لم تكن سهلة من الناحية العلمية أو المادية، خصوصًا أن الدراسة والبحث العلمي في تلك الفترة كانا يعتمدان بدرجة كبيرة على الكتب والمكتبات والمراجع الورقية، ولم تكن مصادر البحث الإلكترونية متاحة بالصورة التي أصبحت عليها اليوم.
وكان يضطر في بعض الأحيان إلى الانتقال إلى محافظات أخرى للحصول على بعض المراجع العلمية، ولم تكن هذه الرحلات تتم بمعزل عن أسرته، إذ كانت زوجته ترافقه وتسانده في هذه المراحل.
ولم يكن الجمع بين العمل والدراسة والأسرة أمرًا سهلًا، فقد كان يذاكر في الوقت الذي كان فيه أبناؤه يدرسون، حتى أصبحت المذاكرة في بعض الفترات نشاطًا عائليًا يجمع الأب بأبنائه، في مشهد يعكس كيف تحولت رحلة التعليم إلى ثقافة داخل الأسرة نفسها.
الماجستير.. محطة جديدة في طريق طويل واصل الدكتور سعيد رحلته العلمية حتى حصل على درجة الماجستير، وكانت رسالته تدور حول غسل الأموال وآليات اكتشافه، مع تناول الجانب المتعلق بالتطبيقات الإسلامية، وهو موضوع ارتبط بأهمية البحث في واحدة من القضايا الاقتصادية والمالية المهمة.
وخلال إعداد الرسالة، وجد دعمًا من عدد من أساتذته ومشرفيه، ومن بينهم الدكتور عثمان أحمد عثمان، أستاذ جامعة القاهرة، الذي قدم له الدعم والإرشاد في مراحل إعداد البحث والوصول إلى المراجع والمصادر العلمية.
وكان يوم مناقشة رسالة الماجستير من الأيام التي اعتبرها الدكتور سعيد محطة فارقة في حياته، بعدما رأى ثمرة سنوات طويلة من العمل والدراسة وتحمل المسؤوليات.
ولم يكن النجاح في الماجستير مجرد نهاية لمرحلة، وإنما كان دليلًا جديدًا بالنسبة إليه على أن الحلم الذي بدأ بكلمة تشجيع يمكن أن يتحول إلى واقع إذا اقترن بالإصرار والعمل.
الدكتوراه.. تتويج رحلة الكفاح
لكن الحصول على الماجستير لم يكن نهاية الحلم، بل كان بداية مرحلة جديدة قادته إلى الدكتوراه.
واصل الدكتور سعيد دراسته وبحثه حتى حصل على درجة الدكتوراه في الاقتصاد، بعد دراسة استمرت نحو عامين، وجاء موضوع الرسالة حول التنمية المستدامة وجودة التعليم العالي والبحث العلمي في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، بالتطبيق على دولة ماليزيا.
واختياره لماليزيا كنموذج للدراسة جاء في إطار بحثه في تجربة التنمية المستدامة وجودة التعليم والتعليم العالي والبحث العلمي.
وكانت لحظة مناقشة الدكتوراه من أكثر اللحظات تأثيرًا في رحلته، بعدما حصل على الدكتوراه بتقدير مرتبة الشرف الأولى.
لم تكن فرحة الحصول على الدرجة العلمية بالنسبة إليه مجرد فرحة أكاديمية، وإنما كانت لحظة استعاد خلالها شريط سنوات طويلة من حياته؛ من أيام المدرسة الليلية، والعمل في الصباح، والذهاب إلى الامتحانات، وتحمل مسؤوليات الأسرة، والبحث عن الكتب والمراجع، وصولًا إلى الوقوف أمام لجنة المناقشة.
وهنا بدا واضحًا أن الدرجة العلمية لم تكن مجرد شهادة، وإنما كانت بالنسبة لصاحبها عنوانًا لرحلة طويلة من الصبر والإصرار.
من تجربة شخصية إلى رسالة تعليمية اليوم لا يقف الدكتور سعيد عزت خطاب عند حدود تجربته الشخصية أو ما حققه من درجات علمية، وإنما يحمل مسؤولية تعليمية أكبر من خلال موقعه كعميد ومسؤول عن نحو 7 آلاف طالب، وهي مسؤولية تضع أمامه مهمة تتجاوز تقديم المحاضرات والمناهج الدراسية إلى المشاركة الحقيقية في بناء شخصية الطالب وتوجيهه نحو مستقبله العلمي والمهني.
ومن واقع تجربته الشخصية، يؤمن الدكتور سعيد بأن الطالب لا يحتاج إلى المعلومة فقط، وإنما يحتاج أيضًا إلى من يراه قادرًا على النجاح، ويمنحه الثقة، ويفتح أمامه أبواب الطموح، ولذلك يحاول أن يجعل من تجربته في الحياة رسالة تعليمية مستمرة داخل المؤسسة التعليمية.
فالرجل الذي بدأ حياته العملية في وظيفة عامل خدمة معاونة، ثم واصل تعليمه حتى حصل على الدكتوراه بمرتبة الشرف الأولى، يرى أن تجربته يمكن أن تكون رسالة أمل لكل طالب يعتقد أن ظروفه الحالية قد تمنعه من الوصول إلى أهدافه.
ويحرص الدكتور سعيد على الاقتراب من الطلاب والاستماع إليهم وتشجيعهم، وعدم التعامل معهم باعتبارهم مجرد أرقام داخل مؤسسة تعليمية، وإنما باعتبارهم أصحاب أحلام وطموحات يمكن أن يصبحوا في المستقبل أطباء وأساتذة وباحثين وقيادات في مختلف المجالات.
7 آلاف طالب.. مسؤولية ورسالة وليست مجرد رقم مسؤولية الإشراف على نحو 7 آلاف طالب تضع أمام العميد تحديات يومية كبيرة، إلا أن الدكتور سعيد يتعامل معها باعتبارها رسالة قبل أن تكون منصبًا.
فكل طالب من هؤلاء الطلاب يمثل أسرة ومستقبلًا وحلمًا، ولذلك تأتي رؤيته التعليمية قائمة على ضرورة توفير بيئة تشجع الطالب على التعلم والتفوق، وتدفعه إلى التفكير فيما بعد مرحلة التخرج، وعدم الاكتفاء بالحصول على شهادة فقط.
ومن هنا جاءت محاولاته لتقديم نماذج مختلفة لتحفيز الطلاب، وعلى رأسها تجارب محاكاة مناقشات الماجستير والدكتوراه، والتي تهدف إلى تعريف الطالب مبكرًا بأجواء البحث العلمي، وتشجيعه على التفكير في الدراسات العليا ووضع أهداف علمية بعيدة المدى.
ولا تقتصر الرسالة التي يقدمها الدكتور سعيد على الطلاب المتفوقين فقط، وإنما تمتد إلى كل طالب يحتاج إلى دفعة أو كلمة تشجيع أو شخص يؤمن بقدرته على تحقيق شيء أفضل.
محاكاة الماجستير والدكتوراه.. حين يتحول الطموح إلى تجربة يعيشها الطالب ومن الأفكار التي يسعى الدكتور سعيد إلى تطبيقها مع طلابه تنظيم نماذج محاكاة لمناقشات الماجستير والدكتوراه.
ويقوم الطلاب بإعداد أبحاث علمية، ثم تقديمها ومناقشتها في أجواء تحاكي المناقشات الأكاديمية الحقيقية، بما في ذلك ارتداء الزي الخاص بالمناقشة، وطرح الأسئلة ومناقشة العنوان والمنهجية والبحث العلمي.
والهدف من هذه التجربة هو أن يعيش الطالب أجواء النجاح قبل الوصول إليها فعليًا، وأن يرى أمامه صورة للهدف الذي يمكن أن يسعى إليه مستقبلًا، بدلًا من أن يضع حدودًا لطموحه عند الحصول على المؤهل الجامعي.

