مصطفى عمار يطرح خارطة طريق لتحويل توصيات «منتدى مصر 2026» إلى مشروعات زراعية تحقق الأمن الغذائي والمائي

أكد الدكتور مصطفى عمار، المتحدث الرسمي بمركز البحوث الزراعية، أن تحويل توصيات «منتدى مصر 2026» بشأن الأمن الغذائي والمائي إلى واقع ملموس يتطلب الانتقال من مرحلة طرح الرؤى والسياسات العامة إلى التنفيذ الميداني، من خلال خطة متكاملة تربط بين التمويل والتكنولوجيا والتشريعات الحديثة ودعم صغار المزارعين، بما يسهم في زيادة الإنتاجية الزراعية وتقليص الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك، وتعزيز قدرة الدولة على مواجهة التحديات الاقتصادية والمناخية.
وأوضح عمار أن الأمن الغذائي لم يعد مجرد قضية إنتاج زراعي، بل أصبح أحد الملفات المرتبطة بالأمن القومي والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، في ظل محدودية الموارد المائية، وتداعيات التغيرات المناخية، وتقلبات الأسواق العالمية، وارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج، وهو ما يفرض ضرورة تبني حلول عملية ومستدامة لتعظيم الاستفادة من الموارد المتاحة.
الري الحديث والتجميع الزراعي في مقدمة الأولويات
وأشار مستشار مركز البحوث الزراعية إلى أن إدارة الموارد المائية بكفاءة يجب أن تتصدر أولويات المرحلة المقبلة، من خلال التوسع في نظم الري الحديث والذكي، واستخدام مستشعرات رطوبة التربة والتطبيقات الرقمية لتحديد الاحتياجات الفعلية للمحاصيل من المياه والأسمدة، إلى جانب تطوير نظم الإنذار المبكر لمواجهة التغيرات المناخية والآفات الزراعية.
وشدد على أهمية ربط برامج الدعم الزراعي والتسهيلات التمويلية بتشجيع المزارعين على تبني الممارسات الحديثة، مع دراسة إنشاء آليات تمويل ميسرة تساعدهم على التحول إلى نظم الري الأكثر كفاءة، دون تحميلهم أعباء مالية تفوق قدرتهم الاقتصادية.
وأضاف أن تفتت الحيازات الزراعية يمثل أحد التحديات التي تحد من التوسع في استخدام الميكنة الحديثة وتزيد من تكاليف الإنتاج، الأمر الذي يستدعي تفعيل نماذج التجميع الزراعي والتعاونيات التشاركية، بما يسمح بالشراء الجماعي لمستلزمات الإنتاج، وتحسين القدرة التفاوضية للمزارعين، وتنظيم عمليات الزراعة والتسويق وفقًا لاحتياجات السوق.
التقاوي المحلية والتصنيع الزراعي لتعزيز الاكتفاء الذاتي
وأكد عمار أن تطوير منظومة إنتاج التقاوي محليًا يمثل ركيزة أساسية لتقليل الاعتماد على الخارج، خاصة في المحاصيل الاستراتيجية مثل القمح والذرة والمحاصيل الزيتية، مشيرًا إلى أهمية تكثيف برامج البحث العلمي والتحسين الوراثي لاستنباط أصناف عالية الإنتاجية، وأكثر قدرة على تحمل الجفاف والملوحة والتغيرات المناخية.
ولفت إلى أن تعظيم الاستفادة من الإنتاج الزراعي لا يتوقف عند زيادة الكميات المنتجة، وإنما يمتد إلى تطوير التصنيع الزراعي والغذائي، وإنشاء مجمعات صناعية ولوجستية بالقرب من مناطق الإنتاج، تضم محطات للتجميع والتبريد والفرز والتعبئة والتصنيع، بما يقلل الفاقد بعد الحصاد، ويرفع القيمة المضافة للمنتجات المصرية، ويفتح أسواقًا جديدة أمام الصادرات الزراعية.
وأشار إلى إمكانية تعزيز الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص في إنشاء وإدارة هذه المشروعات، إلى جانب التوسع في استغلال المخلفات الزراعية لإنتاج الأسمدة العضوية والطاقة، بما يدعم الاقتصاد الدائري ويحقق عائدًا اقتصاديًا وبيئيًا في الوقت نفسه.
الزراعة التعاقدية والتسعير العادل لحماية المزارع
وشدد مستشار مركز البحوث الزراعية على ضرورة تفعيل منظومة الزراعة التعاقدية، ووضع آليات واضحة للإعلان المبكر عن أسعار ضمان استرشادية للمحاصيل الاستراتيجية قبل بدء الموسم الزراعي بوقت مناسب، بما يساعد المزارع على اتخاذ قراراته وفقًا لبيانات واضحة، ويحد من مخاطر تقلب الأسعار وتكدس بعض المحاصيل أو نقص المعروض من محاصيل أخرى.
وأوضح أن تطوير آليات التسويق، وتعزيز دور البورصة السلعية، وتحسين منظومة تداول المنتجات الزراعية، يمكن أن يسهم في تقليل حلقات الوساطة غير الضرورية، وتحقيق قدر أكبر من الشفافية في التسعير، بما يضمن توزيعًا أكثر عدالة للعائد بين المنتج والمستهلك.
وأضاف أن تنظيم الإنتاج وفقًا للاحتياجات الفعلية للسوق المحلية، مع التوسع في التصنيع والتصدير، يمثل أحد المسارات المهمة لتقليص الفجوة الغذائية، وتحسين دخول المزارعين، وتعزيز تنافسية المنتجات المصرية في الأسواق الخارجية.
خارطة طريق تنفيذية حتى عام 2028
وطرح الدكتور مصطفى عمار رؤية تنفيذية تمتد من عام 2026 حتى عام 2028، تقوم على ثلاث مراحل مترابطة، تبدأ بتحديث منظومة الحيازات الزراعية والكارت الذكي للمزارع، وتطوير الأطر التشريعية والحوافز التمويلية، ثم الانتقال إلى التوسع الميداني في تطبيقات الإرشاد الزراعي الرقمي، وإنشاء مجمعات لوجستية للتجميع والتبريد والتعبئة في المحافظات ذات الإنتاج الزراعي المرتفع، مع التوسع في استخدام الطاقة الشمسية في تشغيل منظومات الري حيثما تسمح الظروف الفنية والاقتصادية بذلك.
وتستهدف المرحلة الثالثة تعزيز الاعتماد على التقاوي المحلية المعتمدة، وتوسيع مشاركة المنتجين في المنظومات المنظمة للتسويق، وزيادة صادرات المنتجات الزراعية المصنعة بدلًا من الاقتصار على تصدير المواد الخام، بما يرفع القيمة الاقتصادية لكل وحدة إنتاج ويوفر فرص عمل جديدة.
وأكد أن نجاح هذه الخارطة يتطلب وضع مؤشرات أداء قابلة للقياس، وجداول زمنية واضحة، وآليات متابعة دورية، مع تحديد مسؤوليات الجهات المعنية، حتى لا تظل التوصيات في إطار الخطط النظرية دون انعكاس مباشر على الإنتاج ودخل المزارع وكفاءة استخدام المياه.
لجنة تنفيذية وصندوق للمخاطر الزراعية
وفيما يتعلق بآليات التنفيذ والحوكمة، اقترح عمار تشكيل لجنة تنسيقية تضم الوزارات والجهات المعنية بالزراعة والموارد المائية والتموين والتجارة والصناعة والمالية، لتوحيد الجهود وربط السياسات الإنتاجية والتمويلية والتسويقية ضمن إطار عمل متكامل.
كما دعا إلى دراسة إنشاء شركات متخصصة في إدارة الخدمات الزراعية وصيانة معدات الري الحديث وتوفير الحلول التكنولوجية للمزارعين بتكلفة مناسبة، إلى جانب بحث إنشاء صندوق لحماية المخاطر الزراعية، وفق آليات تمويل وحوكمة واضحة، لتعويض المزارعين المتضررين من الظواهر المناخية الحادة والكوارث الزراعية.
واختتم الدكتور مصطفى عمار تصريحاته بالتأكيد على أن المرحلة المقبلة تتطلب تحويل توصيات منتدى مصر 2026 إلى برامج تنفيذية محددة الأهداف والمسؤوليات، تقوم على التكامل بين البحث العلمي والاستثمار والإدارة الحديثة ودعم المزارع المصري، مشددًا على أن تحقيق الأمن الغذائي والمائي لا يرتبط فقط بزيادة الإنتاج، بل يتطلب أيضًا ترشيد الموارد، وتقليل الفاقد، وتحسين منظومة التسويق، ورفع القيمة المضافة للمنتجات الزراعية، بما يعزز قدرة الاقتصاد المصري على مواجهة الأزمات وتحقيق التنمية الزراعية المستدامة.

